محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
108
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
على أهل قرية أو بلدة فيريد أن يقسم لهم من نفسه قسما فلا يجد في قلوب العباد ، ولا في قلوب الزهّاد موضعا لتلك القسمة من نفسه ، فيمنّ عليهم أن يشغلهم بالتعبّد عن نفسه » . وقال أبو العباس الدينوري ، رضي اللّه عنه : « إنّ للّه عبادا لم يستصلحهم لمعرفته ، فشغلهم بخدمته ، وله عباد لم يستصلحهم لخدمته ، فأهّلهم لمعرفته » والإشارة بالآية الكريمة التي ذكرها المؤلف رحمه اللّه ، بيّنة في هذا المعنى ، وقال رضي اللّه عنه : قلما تكون الواردات الإلهية إلا بغتة ، لئلا يدعيها العباد بوجود الاستعداد . الواردات الإلهية هدايا من اللّه تعالى ، وتحف ، وكرامات يكرم اللّه بها عباده ، فلا تكون في الغالب إلّا بغتة ، أي : فجأة ؛ لئلا يدّعوها ، ويروا أنفسهم أهلا لها بوجود استعدادهم وتهيئهم . وتحف اللّه تعالى وهداياه مقدّسة عن أن تعلّل بأمر ، ومنزهة عن أن تقابل بأعمال برّ ، بل هي محض كرم وفضل من الكريم المتفضّل . من رأيته مجيبا عن كل ما سئل ، ومعبرا عن كل ما علم ، فاستدل بذلك على وجود جهله . الإجابة عن كلّ سؤال ، والتعبير بكل مشهود ، والذكر لكل معلوم أمارات على وجود جهل من اتصف بها ، كما قال ؛ أما الإجابة عن كل سؤل فلاقتضائها منه الإحاطة بجميع المعلومات ، وذلك محال في حقّه ، قال اللّه تعالى : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء : 85 ] فكيف يتصوّر منه - مع هذا - الإجابة عن كل سؤال لولا وجود جهله ، وأيضا فإنه يجب عليه أن يراعي حال السائل من وجود الأهلية فيه لما سأل عنه ، فيمتنع عن إجابة من لا أهلية فيه لذلك ، ويفعل ما فعله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما روي عنه مع السائل الذي جاء يسأله أن يعلّمه من غرائب العلم فإنه استفصله ، وقال له : « ما فعلت في رأس العلم ، وفي كذا ، وفي كذا . . . ؟ فأجابه السائل ، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اذهب ، فأحكم ما هنالك ثم تعال حتى أعلمك من غرائب العلم » « 1 » .
--> - وكلامهم وصدر ذكر الخلفاء إلى تمام العشرة في الترتيب ثم جعل من سواهم إرسالا لئلا يستفاد منه تقديم فرد على فرد لكنه أطال فيه بالأسانيد وتكرير كثير من الحكايات وأمور أخرى منافية لموضوعه . ( كشف الظنون 2 / 689 ) . ( 1 ) أخرجه أبو نعيم في ( حلية الأولياء 1 / 24 ) ، وابن عراق في ( تنزيه الشريعة 1 / 277 ) .